اخر الاخبارمقالات

رحلة العمر: من وهج الاستقبال إلى هدوء المغادرة

في المسافة الممتدة بين كلمتَي «التعاقد» و«التقاعد» سنواتٌ طويلة، غير أنَّ جوهرها يبدو أقصر مما نتصوّر. فالكلمتان، على بساطتهما اللغوية، تختصران الرحلة الوظيفية للإنسان من أول توقيع يفتح الأبواب، إلى آخر حضور يُغلقها بهدوء. من مقعدٍ يُستقبل فيه بالحفاوة، إلى المقعد ذاته حين يُغادر بصمت.

المفارقة أن المكان يبقى ثابتًا، بينما تتبدّل الوجوه وتتغيّر النبرة. في بداية المشهد، يُقدَّم الموظف بوصفه مشروع طموحٍ واستثمارًا واعدًا، تُعلَّق عليه الآمال وتُنسج حوله التوقعات. وبعد سنوات، يُعاد تقديمه بوصفه رقمًا في قائمة المنتهية خدماتهم، أو صفحة أُغلقت دون ضجيج. المقعد هو هو، لكن المعنى يتبدّل.

اللغة نفسها تفضح هذا التحوّل؛ فـ«التعاقد» يحمل نبرة البداية والحلم والاستقرار، فيما يحمل «التقاعد» ظلال النهاية والوداع. لا يفصل بينهما سوى توقيعين: الأول يُوقَّع بالأمل، والثاني يُوقَّع بالتجربة. وبين التوقيعين تمتد أعوام من العمل والالتزام والانتظار، من النجاحات الصغيرة والتحديات الكبيرة، ومن الطموحات التي تحققت، وأخرى بقيت مؤجلة.

غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن كثيرين يعبرون هذه الرحلة مرور الكرام. يعملون بصمت، ويغادرون بصمتٍ أشد. لا يُمنحون فرصة حقيقية لإبراز أثرهم في البداية، ولا يجدون التقدير اللائق في النهاية. وكأن المسألة إجراء إداري يبدأ وينتهي في ملف، لا رحلة إنسان تستحق أن تُروى.

هنا تبرز مسؤولية المؤسسات والجهات المعنية؛ فالتعاقد ليس مجرد توقيع على ورقة، بل التزام متبادل ورؤية مشتركة. كما أن التقاعد ليس نهاية خدمة فحسب، بل بداية مرحلة إنسانية جديدة. التعامل مع التقاعد بوصفه خروجًا نهائيًا من المشهد يُفقد المؤسسات خبراتٍ تراكمت عبر السنين، ويُفقد الأفراد شعورهم بقيمة ما قدّموا.

إن التجربة الوظيفية لا تُقاس بطول السنوات وحده، بل بما يُترك بعدها من أثر. والفرق الحقيقي بين التعاقد والتقاعد ليس في الزمن، بل في طريقة إدارة البدايات والنهايات. فمن أُحسن استقباله، وأُحسن وداعه، خرج من تجربته كاملًا؛ لا منكسِرًا ولا منسيًّا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نُحسن إدارة لحظة التعاقد كما نُحسن التخطيط للتقاعد؟ أم سيظل المقعد ثابتًا، تتبدل حوله الوجوه، وتُطوى القصص دون أن تُقرأ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى