ليس وداعًا… بل عمرٌ يمشي معي

بقلم :سالم الجهني
أكثر من ربع قرن قضيتها في رحاب التعليم، أيامًا وليالٍ، ابتسامات ودموع، نجاحات وفقدان، كلها تركت بصمة في قلبي قبل أن تُسجّل في سجلات الزمن. واليوم، حين يحين وقت الوداع، أشعر وكأن جزءًا مني يغادر المكان الذي أحببت، المكان الذي علّمني أن العطاء ليس مجرد واجب، بل عشق، وأن المهنة الحقيقية هي من تصنع منك إنسانًا قبل أن تصنع منك موظفًا.
لا نختار أقدارنا، لكننا نتعلم كيف نحبها. وسعيدٌ من وجد في عمله دفء الروح، وأمان القلب، والأكثر حظًا من عرف أن بعض الأماكن لا تُنسى لأنها تشبهنا، وتشبه أحلامنا الأولى. كانت النموذجية الرابعة بجده أول حكاياتي، حين تركتها شعرت بأن شيئًا مني قد انتُزع، كأن الروح نفسها فارقت جسدي. لكن الحياة سرعان ما منحتني فرصة أخرى، وأكرمتني بـ وكالة ثانوية العزيزية؛ مكان لم يكن مجرد مدرسة، بل كان حضنًا دافئًا، وكلمة طيبة، ووجوهًا تعرف كيف تزرع الأمل، وتهدّئ خوف القادم من المجهول. هناك تعلمت أن الحب والعطاء أحيانًا يكونان بلا مقابل، وأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بمراتب أو مناصب، بل بالقلوب التي تُحبك في صمت، وتدعك تنمو.
تنقلت بين مهن وتجارب متعددة؛ من العمل البنكي إلى الصحة والتعليم، ومن الصحافة إلى ميادين آخرى فرعية ، وكل محطة كانت لها قصة، وكل وجه ترك أثرًا لا يُمحى . من بيشة جنوبًا، إلى الطائف غربًا، إلى جدة ساحلًا، هناك وجوه لن أنساها أبدًا، وطلابًا كانوا أجمل ما حملت هذه المسيرة، ورفاق درب علموني معنى الصداقة والإخلاص في زمن يختزل الإنسان في أرقام ومهام.
اليوم، وأنا أستعد للرحيل عن ميادين العطاء، تتلاقى الدموع مع ابتسامة، والحزن مع الامتنان. أشعر بالفخر لأنني لم أشعر يومًا بأنني ركضت وراء لقمة العيش وحدها، بل ركضت خلف قصة أمل، خلف وجوه أطفأت ظلمة المجهول، خلف قلوب صنعت الحياة أجمل مما نتخيل. الرحلة لم تكن مجرد عمل، بل كانت عشقًا، ورفقة، وذكريات ستظل تعانق قلبي مهما بعدت المسافات، ومهما أخذتني الأقدار إلى مسارات أخرى.
وداعًا، ليس نهاية، بل محطة امتنان لكل من ساندني، لكل من علّمني، لكل من أحببتهم وأحبوني في هذه المسيرة. سأحتفظ بذكراهم في قلبي، وسأظل أردد في صمت: على دروب الخير سنلتقي دائمًا، مهما فرقنا الزمن أو أبعدتنا المسافات..
