اخر الاخبارثقافة

حين يفقد كبار السن وقارهم على الهواء: البث المباشر يكشف الحقيقة ..

بقلم :سالم سويلم الجهني

في زحمة البثوث المباشرة التي أصبحت جزءًا من يومياتنا، تتسلل مشاهد تثير كثيرًا من التساؤلات، بل والقلق. لم يعد الأمر مقتصرًا على الترفيه أو مشاركة المعرفة، بل تجاوز ذلك إلى سلوكيات تضع القيم الاجتماعية والأخلاقية تحت اختبار حقيقي.

من أكثر هذه المشاهد لفتًا للانتباه، ظهور بعض كبار السن وهم يتقمصون أدوارًا لا تليق بأعمارهم، في محاولة للاندماج في أجواء يغلب عليها الطابع الشبابي، بل ويتجاوز الأمر أحيانًا إلى الدخول في أحاديث غير منضبطة مع النساء في بثوث مفتوحة يشاهدها الجميع. هنا لا يكون التساؤل عن الحرية الشخصية بقدر ما يكون عن المسؤولية، وعن الصورة التي يقدمها الإنسان لنفسه أمام أسرته وأقاربه، وقبل ذلك أمام الله.

وفي مشهد موازٍ لا يقل حساسية، نجد بعض النساء يقضين ساعات طويلة أمام شاشات البث، في حضور مستمر يكاد يطغى على أدوارهن الأساسية داخل الأسرة. ورغم اختلاف الظروف والدوافع، يبقى السؤال قائمًا: أين التوازن؟ وكيف يمكن أن لا تتحول هذه المساحات المفتوحة إلى بديل عن المسؤوليات الحقيقية؟

الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو تحوّل بعض هذه البثوث إلى منصات غير مباشرة للتسول واستجداء  الدعم المادي. بأساليب متفاوتة، يتم استثارة مشاعر المغفلين ، وخلق حالة من التعاطف قد تدفع البعض لتقديم المال دون وعي كامل بطبيعة ما يحدث. وهنا يتلاشى الخط الفاصل بين المحتوى الهادف والعمل المشروع، وبين استغلال عواطف التافهين  وأصحاب الاهواء  لتحقيق مكاسب شخصية.

لا يمكن إنكار أن البث المباشر أداة قوية، يمكن أن تكون منصة لنشر المعرفة، أو الترفيه الراقي، أو حتى فرص عمل حقيقية. لكن في المقابل، قد تتحول—عند سوء الاستخدام—إلى مساحة تُهدر فيها القيم، وتُضعف فيها المسؤوليات، ويُعاد فيها تشكيل السلوك الاجتماعي بشكل مقلق.

المطلوب اليوم ليس المنع ولا الوصاية، بل الوعي. وعي المستخدم بدوره، ووعي المشاهد بتأثير دعمه وتفاعله. كما أن للنصيحة الهادئة، البعيدة عن التشهير، دورًا مهمًا في إعادة التوازن، خاصة عندما يكون الخطأ صادرًا من أشخاص قريبين.

في النهاية، تبقى القيم هي البوصلة. وكل وسيلة—مهما تطورت—تبقى انعكاسًا لمن يستخدمها: إما أن ترتقي به أو تصنع منه  مادة  للحديث والسخرية بدل التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى