بين جدة ومكة… قصة الطبيب الهولندي الذي اعتنق الإسلام

لم يكن الطبيب الهولندي بيتر فان دير هوخ يدرك، وهو يغادر أوروبا في بدايات القرن العشرين، أن رحلته المهنية الطويلة ستقوده في النهاية إلى واحدة من أكثر التجارب الإنسانية والروحية تأثيرًا في حياته. فقد جاء إلى الحجاز طبيبًا يحمل أدوات العلم وخبرة مكافحة الأوبئة، لكنه عاد من مكة المكرمة بروحٍ مختلفة، بعدما وجد هناك سلامًا داخليًا ظل يبحث عنه لسنوات.
وُلد فان دير هوخ في هولندا أواخر القرن التاسع عشر، ودرس الطب في جامعة لايدن، قبل أن يعمل في مناطق متعددة من العالم ضمن بعثات طبية متخصصة في الأمراض الاستوائية والصحة العامة. تنقّل بين جزر الهند الشرقية الهولندية وعدد من الموانئ الآسيوية، واكتسب خبرة واسعة في مواجهة الأوبئة التي كانت تضرب المدن الساحلية آنذاك، خاصة مع ضعف الإمكانات الطبية في كثير من البلدان.
ومع اتساع الحركة التجارية والبحرية عبر البحر الأحمر، وصل الطبيب الهولندي إلى جدة في فترة كانت المدينة تُعد بوابة الحجاج إلى مكة المكرمة، وتشهد تدفق عشرات الآلاف من المسلمين القادمين من أنحاء العالم الإسلامي. وكانت السلطات آنذاك تسعى إلى تطوير الخدمات الصحية ومواجهة الأمراض المعدية التي ترافق مواسم الحج، وهو ما فتح الباب أمام الاستعانة بعدد من الأطباء والخبراء الأجانب.
في جدة، بدأ فان دير هوخ عمله بين المستشفيات والمراكز الصحية، متنقلًا بين المرضى والحجاج، محاولًا الحد من انتشار الأوبئة وتحسين ظروف الرعاية الصحية. لكن ما لفت انتباهه لم يكن الجانب الطبي فقط، بل طبيعة المجتمع الحجازي نفسه؛ البساطة التي يعيشها الناس، وحالة التكافل بينهم، وارتباطهم العميق بالدين، إلى جانب المشهد الإنساني الفريد الذي كانت تصنعه مواسم الحج.
كان الطبيب الأوروبي يشاهد يوميًا آلاف الحجاج من أعراق ولغات مختلفة، يجتمعون في مدينة واحدة بروح متقاربة وهدف واحد. هذا المشهد، كما يذكر في بعض مذكراته وروايات المقربين منه، أثار داخله تساؤلات كثيرة حول الإسلام والمعاني الروحية التي يحملها الحج للمسلمين.
ومع مرور الوقت، بدأ يقترب أكثر من المجتمع المحلي، ويتعرّف على تفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية في الحجاز، حتى تحولت رحلاته المتكررة إلى مكة المكرمة من زيارات عابرة إلى تجربة وجدانية عميقة. وهناك، أمام الكعبة المشرفة، شعر للمرة الأولى بحالة من السكينة وصفها لاحقًا بأنها “طمأنينة لا تشبه أي شعور عرفه من قبل”.
لم تعد رحلته في الحجاز بالنسبة إليه مجرد مهمة طبية، بل أصبحت رحلة بحث داخلي عن المعنى والسلام الروحي. وبعد سنوات من العمل والاحتكاك المباشر بالمسلمين، أعلن إسلامه واختار لنفسه اسم “محمد عبد العلي”، في خطوة شكّلت تحولًا كبيرًا في حياته الشخصية والفكرية.
وبعد إسلامه، حرص الطبيب الهولندي على أداء فريضة الحج، فعاش تفاصيل الرحلة التي طالما شاهدها من الخارج، لكنه هذه المرة كان جزءًا منها. تنقل مع قوافل الحجاج، وشهد لحظات الطواف والسعي والوقوف بعرفات، وهي المشاهد التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه، حتى إنه كتب لاحقًا أن مكة لم تغيّر أفكاره فقط، بل غيّرت إحساسه بالحياة كلها.
ورغم عودته لاحقًا إلى أوروبا، بقيت سنوات الحجاز حاضرة في ذاكرته بوصفها المرحلة الأهم في حياته؛ المرحلة التي جاء فيها إلى جدة طبيبًا يداوي الأجساد، لكنه وجد في مكة شفاءً لروحه وطمأنينة ظل أثرها يرافقه حتى آخر أيامه.
وتبقى قصة الطبيب الهولندي واحدة من الحكايات الإنسانية النادرة التي تكشف كيف يمكن لرحلة مهنية عابرة أن تتحول إلى نقطة فاصلة في حياة الإنسان، وكيف استطاعت مكة، عبر عقود طويلة، أن تترك أثرها العميق في قلوب زائريها مهما اختلفت لهم وثقافاتهم وخلفياتهم
