حين يُباع الحياء على أرصفة الشهرة والرخص..

لم يعد خافياً أن جزءاً من محتوى منصات التواصل الاجتماعي بات قائماً على استثمار الجسد واستعراض الخصوصية الإنسانية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المشاهدات والتفاعل. وما كان يُعد في الماضي من خصوصيات الإنسان وقيمه أصبح لدى البعض مادة للعرض والتسويق والمقايضة في سوق رقمي لا يعترف إلا بالأرقام.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا المشهد لم يعد يُقدَّم بوصفه سلوكاً فردياً معزولاً، بل بات يُسوَّق أحياناً على أنه مظهر من مظاهر النجاح والتأثير، في حين أنه لا يعدو كونه اختصاراً للقيمة الإنسانية في الصورة والشكل والإثارة البصرية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ حين تتحول الأخلاق إلى تفصيل ثانوي، ويصبح معيار النجاح هو حجم التفاعل لا حجم المنجز.
لقد عُرفت المرأة السعودية عبر تاريخها الطويل بسمعة راسخة من الحياء والعفة والاحتشام، وكانت مكانتها تُبنى على شخصيتها وعلمها ودورها في أسرتها ومجتمعها. ولذلك فإن اختزال هذه الصورة المشرقة في مشاهد استعراضية عابرة لا يمثل المرأة السعودية ولا يعبر عن واقعها، بل يسيء إلى تاريخ طويل من القيم التي حافظت عليها أجيال متعاقبة.
ومن المؤسف أن بعض صناع المحتوى أدركوا أن الطريق الأسرع إلى الشهرة لا يمر عبر المعرفة أو الإبداع أو العمل الجاد، بل عبر إثارة الغرائز واستفزاز الفضول وجذب الأنظار بأي وسيلة كانت. وهكذا تحولت بعض الحسابات إلى منصات للتكسب من الجسد أو المتاجرة بالمشاعر أو استعراض تفاصيل الحياة الخاصة، وكأن الإنسان لم يعد يملك ما يقدمه سوى صورته ومظهره.
إن المشكلة لا تكمن فقط في من ينتج هذا المحتوى، بل أيضاً في من يروجه ويمنحه الانتشار والاحتفاء، حتى أصبح البعض يتعامل مع التفاهة بوصفها نجاحاً، ومع الإثارة بوصفها إنجازاً، ومع التخلي عن الحياء بوصفه تحرراً. وهي مفاهيم مقلوبة لا يمكن أن تصنع مجتمعاً قوياً ولا جيلاً يحمل رسالة أو هدفاً.
إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تقيس قيمة أبنائها وبناتها بعدد الإعجابات والمشاهدات، بل بما يقدمونه من علم وعمل وأخلاق وأثر نافع. أما الشهرة التي تُبنى على استعراض الجسد أو تسليع المشاعر فهي شهرة مؤقتة، سرعان ما تتلاشى ويبقى بعدها السؤال الأهم: ماذا بقي من القيمة بعد أن انتهى العرض؟
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للمحتوى الهادف، وللنماذج التي تصنع الفرق بعلمها وعملها، لا بمن يتصدرون المشهد لأنهم أتقنوا فن جذب الأنظار. فالأمم لا تنهض بالاستعراض، ولا تُبنى بالضجيج الرقمي، وإنما ترتقي حين تبقى الأخلاق أعلى قيمة من الشهرة، والكرامة أغلى من المكاسب العابرة
