اخر الاخبارمقالات

لماذا ندفع المليارات لتنظيف أخطاء الآخرين؟

بقلم :سالم سويلم الجهني

في كل صباح تخرج فرق النظافة إلى شوارع مدننا لتعيد تنظيف ما تركه البعض خلفه من أكياس وعبوات ومخلفات، وبعد ساعات قد يعود المشهد إلى ما كان عليه. وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى متى نظل ندفع ثمن سلوك كان يمكن إيقافه بغرامة رادعة ورقابة صارمة؟

رمي المخلفات في الشوارع لم يعد تصرفا فرديا يمكن المرور عليه باعتباره حالة استثنائية. المشاهد المتكررة بجوار الحاويات وفي الأراضي الفضاء وعلى الأرصفة ومحيط بعض المحال التجارية تؤكد أن لدينا مشكلة سلوكية قبل أن تكون مشكلة نظافة.

والحل في رأيي ليس في زيادة أعداد عمال النظافة كل عام، ولا في مضاعفة المعدات والعقود، لأننا بهذه الطريقة نعالج النتيجة ونترك السبب.

المملكة اليوم دولة تستقبل ملايين المقيمين والزوار من مختلف دول العالم وثقافاته، ومن الطبيعي أن تختلف العادات والسلوكيات، لكن ما يجب ألا يختلف عليه أحد هو احترام أنظمة البلد الذي يعيش فيه أو يزوره. الشارع ملك للجميع، ونظافته ليست مسألة اختيار شخصي.

لهذا نحن بحاجة إلى تطبيق أكثر صرامة للأنظمة الحالية، وغرامات تجعل من يفكر في رمي كيس أو عبوة من نافذة سيارته يتراجع قبل أن يفعلها. كما يجب تشديد الرقابة على المحال والمنشآت التجارية التي تترك مخلفاتها خارج المواقع المخصصة لها، مع عقوبات تصاعدية تصل عند تكرار المخالفة إلى الإغلاق المؤقت.

والتقنية اليوم تجعل الرقابة أسهل من أي وقت مضى. كاميرات الطرق والمحال والمنشآت والأنظمة الرقمية يمكن أن تتحول إلى عين ترصد المخالفات وتوثقها، بحيث لا يصبح ضبط المخالف مرتبطا بوجود مراقب في المكان واللحظة نفسيهما.

كما أن الوقت قد حان لمراجعة الاستخدام المفرط لأكياس النايلون أحادية الاستخدام، والانتقال التدريجي إلى بدائل قابلة لإعادة الاستخدام، بدءا من وقف توزيع الأكياس البلاستيكية مجانا وصولا إلى تقليل استخدامها بصورة كبيرة.

لكن القضية التي تستحق النقاش بجدية هي فاتورة النظافة نفسها.

لماذا ننفق أموالا إضافية لتنظيف مخلفات ألقاها شخص بإرادته في الشارع؟

من الطبيعي أن تكون للمدن عقود لجمع النفايات ونقلها ومعالجتها وتنظيف المرافق العامة، فهذه خدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. لكن ليس من الطبيعي أن تتحمل الخزانة العامة تكلفة إضافية ومتكررة بسبب شخص أو منشأة قررت تحويل الطريق أو الرصيف أو الأرض الفضاء إلى مكب مفتوح.

إذا طبقنا الأنظمة بصرامة، ورفعنا مستوى الرقابة، وجعلنا المخالف يتحمل تكلفة مخالفته، فإننا سنحقق هدفين في وقت واحد: مدنا أنظف وإنفاقا أكثر كفاءة.

ومع ارتفاع مستوى الالتزام يمكن مستقبلا إعادة هيكلة عقود النظافة وتقليص الأعمال المرتبطة بإزالة المخلفات العشوائية والتنظيف المتكرر، وتوجيه ما يتحقق من وفر إلى مشاريع أكثر بقاء وفائدة؛ حدائق وتشجير وأرصفة وممرات مشاة ومرافق عامة وتحسين جودة الحياة.

نحن بحاجة إلى تغيير فلسفة التعامل مع النظافة من الأساس. بدلا من السؤال: كم عاملا نحتاج لتنظيف الشارع؟ يجب أن نسأل: لماذا اتسخ الشارع ومن تسبب في ذلك ومن سيدفع تكلفة تنظيفه؟

في كثير من دول العالم أصبح احترام الأماكن العامة نتيجة لمعادلة واضحة تجمع بين الثقافة والرقابة والعقوبة، حتى تحول الالتزام مع مرور الوقت إلى سلوك يومي.

وهذا ما نحتاج إليه.فالمدينة النظيفة ليست المدينة التي ترى فيها عمال النظافة في كل زاوية، بل المدينة التي لا يجد عامل النظافة فيها الكثير ليرفعه من الشارع.

نظافة مدننا مسؤولية الجميع، لكن تكلفة العبث بها يجب ألا يتحملها الجميع. ومن يلوث مدينتنا عليه أن يدفع ثمن تنظيفها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى