حوار

قصة كفاح أول رجل أدخل الحليب السائل للسعودية

في قصص كفاح  بيوت الخبرة و العائلات التجارية  السعودية قبل أكثر من قرن من الزمان، محطات كبيرة تستحق البحث والمتابعة والرصد، لتسجل في تاريخهم كيف تمكنت عصامية الرجال من المثابرة والصبر وتحمّل قسوة الأيام وتقلبات الزمان، حتى بنوا هذه الشركة الرائدة في تاريخ الصناعة السعودية.

تقف اليوم مجموعة شركات “بيت بن زقر” رائدة من رواد صناعة الغذاء والمنظفات وغيرها من المنتجات الأخرى، في خارطة الصناعة السعودية، شاهداً على عصامية ثلاثة أجيال تتالت منذ مئة وثلاثين عاماً على الحفاظ على واحد من اعرق البيوت التجارية، بعد أن أسّس وفق تنظيم لايسمح بخروج النزاعات العائلية. مستمداً حيويته من تجارب اعرق البيوت التجارية الصناعية في العالم، التي يمثلونها في السوق السعودي، عبر مجموعة شركات رباعيات أو منتجات يونيليفر وغيرها من الصناعات العالمية الأخرى. “الرجل” تقلب تاريخ بيت بن زقر التجاري في جدة الذي أسس قبل مئة وثلاثين عاماً.

عبيد بن زقر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من هنا كانت البداية

يقول كبير الاسرة عبدالله بن زقر بداية تجارتنا كانت على يد جدي محمد عبيد بن زقر يرحمه الله، إذ فرضت عليه ظروفه الأسرية، أن يعمل منذ صغره في عالم التجارة عبر المراكب الشراعية. ثم تطور به العمل إلى أن أصبح بحاراً يعمل على المراكب الشراعية لجلب البضائع التجارية من البحرين وعدن والسويس، مع ملاك المراكب الشراعية لمصلحة التجار في جدة. ومن ثم تطور بعمله حتى صار بائعاً يتحصل على نسبة من الأرباح في البيع. حتى استقر به الحال للعمل تاجرا كباقي التجار.

 

 

ظروف صعبة

– حينما توفي والد الجد كان الجد (محمد عبيد بن زقر) طفلاً صغيراً. وقد تزوجت والدته تاجراً في جدة اسمه منصور الحربي، وهذا كان صاحب مركب شراعي يسافر لجلب بضائع تجارية من البحرين وعدن ومصر ومن دول أخرى، فتربّى الجد محمد على يد عمه زوج والدته، وصار يشتغل معهم، ومع البحارة وبدأ منذ صغره يحتكّ ويتعامل مع التجار في الخارج وعلى المراكب في مدينة جدة. وهنا تأسست لديه ثقافة البيع والشراء وثقة الناس به، حتى بدأ يتكون لديه رأس المال إلى أن استقل بتجارته كبقية التجار في مدينة جدة ، مركزا على تجارة الأخشاب وبعض أنواع الأرزاق آنذاك مثل المواد الغذائية، حيث إن مدينة جدة لا يصنع  ولا يزرع فيها أي شي، سوى ما يتمّ استيراده من الخارج عبر المراكب وكذلك بعض البضائع التي يجلبها الحجاج معهم.

 

رحيل العميد الاول

يروي ابناء بن زقر بعد وفاة جدنا كان والدنا و عمنا طفلين صغيرين، وكان جدنا وقتها قد ادخل عديله صالح عوض شريكاً معه ووصاه بوالدي وعمي. واستمرت هذه الشراكة إلى أن كبر والدنا وعمنا وأصبحا على قدر المسؤولية لإدارة هذه التجارة، ومن ثم أدخلا شريكاً معهما محمد نور شنكار وتحول بيت بن زقر إلى شركة تضامنية.

يضيف عبد الله بن زقر “بعد أن كبر والدي وعمي في بداية الثلاثينات الميلادية. بدآ يسافران إلى الخارج، ويستوردان البضائع إلى الأسواق السعودية، وهذه مرحلة مهمة أيضاً في تاريخ بيت بن زقر، من حيث التطور الزمني والنوعي. حيث سافروا إلى فرنسا وبريطانيا ودول مختلفة من أوروبا ومصر وتركيا، واستوردوا منها منتجات لعلامات تجارية شهيرة، حيث كانت أول علامة تجارية نستوردها كبريت “الشعلة” من فنلندا، ثم استوردنا النشاء من بلجيكا والصابون من فرنسا ومنتجات مختلفة من بعض الدول الأوروبية، مثل زيت الطعام والسجائر. وبدأنا نتعامل مع علامات تجارية أخرى في أصناف متنوعة، إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية فتوقفنا عن الاستيراد”.

 

سعيد بن زقر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تجارة العائلة بعد الحرب العالمية الثانية لم تتوقف، بل تطورت وتنوّعت بدخول منتجات أخرى، مثل الخزائن والدواليب. وجاءت فترة التوقف الأولى بسبب الحرب، لتضيف تنوعاً آخر باستيراد الأجهزة التقنية ، فالعائلة هي أول من استورد الراديو والفونوغراف (راديو من نوع تجاري اسمه “هيز مستر”).هذا النوع يعمل على بطاريات كبطارية السيارة، وتسمع فيها كل الموجات العربية ،ومع مرور الوقت صار اليابانيون يصنعون الراديو بشكله الحالي “الترانزستور”حتى ضغطت على الصناعة البريطانية واندثرت هذه الأجهزة من الأسواق.

 

صناعة الصابون

مصنع الصابون تم إنشاؤه في أوائل عام  1973 ميلادي، بتصنيع صابون علامة “سيرف”، ومن ثم أضيف صابون “لوكس”. وتدريجياً أضيف إليه بقية المنتجات الأخرى، مثل الشامبو ومعجون الأسنان وبقية منتجات وأصناف “يونيليفر”.

 

تجار الزيوت قبل الحرب العالمية

بدات العائلة تجارة الزيوت قبل الحرب العالمية الثانية، و استمرت في تجارة استيراد الزيوت للسوق المحلية، ومع مرور الوقت قرر وهيب بن زقر وحمزة بوقري، أن يؤسّسا مع مجموعة من التجار مصنعا لزيوت الطعام في جدة،  وهو مصنع “صافولا” الحالي، وتكون هناك فرصة لدخول شركة “مازولا” في المصنع. لكن بعض الشركاء فضلوا عدم دخول شركة “يونيليفر” في شراكة المصنع. إلى أن قررت العائلة إنشاء مصنع زيوت “مازولا” في ينبع. ومع مرور الوقت، انتقلت ملكية العلامة لها ضمن شركاء آخرين على مستوى العالم (خمسة أشخاص) يمتلكون العلامة الشهيرة على مستوى العالم، وتطبق سياسة معينة تحافظ على استمرار إنتاج هذه العلامة التجارية الشهيرة بمواصفاتها التي عرفت عنها، ومنحنا مساحة في خارطة الأسواق الدولية تغطي منطقة الشرق الأوسط، من إيران إلى المغرب، ومن البحر الأبيض إلى السودان، و70 في المئة من انتاجها يصدّر للخارج.

تقلبات الزمن

يقول عبد الله بن زقر فيما سبق حجم تجارة السوق تفرض عليك التحرك بحذر، خاصة في تجارة المواد الغذائية، لأن معدل النموّ بطيء جداً، ولم تبدأ بعد مراحل الطفرة الكبيرة في تاريخ حياة المجتمع السعودي. ثم مع دخول الطفرة الاقتصادية، كان والدي وعمي يرحمهما الله يريدان المحافظة على نوعية معيّنة من التجارة. لكن مع عودة أخي الأكبر وهيب يرحمه الله من الخارج، استطاع أن يؤثر فيهما بالدخول في الصناعة. وكانت مغامرة، لكن جرأته مع تعليمه واطلاعه آنذلك على المصانع  في الخارج وقراءته للسوق المحلي. كانت عاملاً مشجعاً لقبول المغامرة بالصناعة والاستثمار فيها، وهي تحتاج إلى أموال كبيرة وتحمّل أخي وهيب في البداية المسؤولية بالمتابعة والاشراف على المصانع.

من الامير مشعل بن ماجد محافظ جدة

 

 

 

 

 

 

قصة سيارات “أكيدين”

يقول عبد الله بن زقر حازت العائلة على وكالة سيارات “أكيدين”، لتسويقها في السعودية. وقتها كانت تصنع هذه السيارات شركة “جنرال موتورز” في كندا، وفجأة قررت “جنرال موتورز” توقيف صناعة سيارات “أكيدين” وجعلها تحت مظلة “شيفروليه”، فقررنا الانسحاب احتراماً لحقوق الوكلاء القائمين آنذاك في السوق السعودية وعدم مزاحمتهم  في أرزاقهم.

* لكن يقال إن سيارات “أكيدين” نجحت في السعودية؟

– نعم نجحت في فترة وجيزة، لأن أخي وهيب قرر بيعها بالتقسيط لأصحاب سيارات الأجرة، بهدف ترويجها وتنقلها بشكل اكبر بين مناطق المملكة وبسعر معقول، وتحمّل مشاق السفر الطويلة، وهذا ما ساعد في انتشارها بين الناس وثقتهم بها.

 

* وماذا عن قصة صناعة الكبريت في السعودية ؟

– في البداية كنا نستورد الكبريت من فنلندا، وكانت سوق الكبريت تجارة كبيرة هنا، وكان لدينا ماركات عدة، منها  كبريت الشعلة والساعة والنسر، وكبريت الجيب. وفي أواخر السبعينات من القرن الماضي قررنا تأسيس مصنع للكبريت في السعودية، وكان مغامرة كبيرة وتحدياً قوياً أن نقرر صناعة الكبريت في السعودية، لأن المشروع ليس بالأمر السهل آنذاك، ولأن لصناعة الكبريت لها أسرارها. وبالفعل أنشأنا المصنع وغطى بإنتاجه حاجة السعودية والدول المجاورة. لكن مع مرور الزمن واجهنا إغراقاً من الدول التي كنا نستورد منها، ثم تبع ذلك غزو أنتاج الصين بأسعار منخفضة. في الوقت الذي كان الناس ملتزمين بكبريت الشعلة، لأنهم تعودوا على استعمال هذا النوع ولجودته، ومع تقدم الحضارة والتطور المدني والصناعي والتقني، تضررت صناعة الكبريت، وأصبح الناس لا يستخدمون الكبريت.

بيل قيتس

 

 

 

 

 

 

 

 

الحليب السائل:

وهيب بن زقر كان أول من ادخل الحليب السائل إلى السعودية، وكان وقتها مغامرة، لأن المتوافر في السوق حليب البودرة وما ينتج من مواشي الناس في بيوتهم. لكن وهيب غامر بعد تجربة صغيرة من استيراد الحليب السائل الأمريكي في صفائح  . إذ تحول إلى استيراد الحليب السائل من بريطانيا ونجحت العائلة في تسويقه وتصنيعه في بعض المنتجات، وكان محل استغراب في الصحافة البريطانية، فماذا تعمل شركة بن زقر بكميات الحليب البريطاني المصدرة للسعودية؟ وكتبت وقتها الصحافة البريطانية وهيب وكميات الحليب السائل التي ينقلها للسعودية من المزارع البريطانية، وأطلقوا عليه “ميلك شيك”.

 

نسال هنا عبد الله بن زقر كيف تقرأ مدى استمرار بيت بن زقر؟ فيجيب:

– جيل الأبناء يديرون عندنا أعمال الشركات، وتتوزع المناصب بينهم. وكما كنا في السابق نحن نعمل مع آبائنا، الآن أبناؤنا يعملون معنا، وقد تمكنا من إدخالهم  في الإدارة وبدأوا يتعلمون حتى أصبحوا اليوم كل بحسب عمره ومعطياته، لديه القدرة على الإدارة والمسؤولية .لكن ألاحظ أن جيل اليوم يختلف اختلافاً كلياً. حيث إنه مستعجل في اتخاذ القرار وهذا خطأ، وسريع أيضاً في الخروج من السوق أو الصنعة.

علي المقبلي- جدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى